السودان: السبل لمشاركة جاليات المهجر

تعمل جاليات المهجر على تسليط الضوء على الثورة السودانية والحكومة الانتقالية الناتجة عنها. تظل جاليات المهجر منهمكة في ذلك بينما يسير السودان في طريق وعر ومليء بالتحديات سعيا لتحقيق طموحات مواطنيه: حرية وسلام وعدالة

تحافظ العديد من جاليات المهجر على صلات متقطعة أو  متواصلة مع السودان في شكل تحويلات مالية و اجتماعية. كان التطور في وسائل الاتصالات وانخفاض نفقات حركة التنقل امرا محوريًا في الحفاظ على هذه الصلات و امتدادها عبر الاجيال. السودان اليوم لديه القدرة لجني ثمار هائلة من جاليات المهجر ، ولكن الطموحات والمشاركة تتطلب الكثير من التفكير والعمل لتحقيق هذه الإمكانيات. إن الاستمرار في أنشطة المهجر “التقليدية” – المؤتمرات ، وتمويل المنح الصغيرة ، وبعض فرص التطوع – يتطلب الكثير من الجهد ، ويخاطر بتبديد تلك الموارد المحدودة والالتزام والنية الحسنة. يجب ادماج هذه الأنشطة في رؤى وأولويات حكومة السودان ، وإنشاء آليات عبر عدة هيئات حكومية مختلفة  واضحة وشفافة لتسهيل انخراط جاليات المهجر في التحويلات الاجتماعية والمالية ، و لابد ان يكون في قلب ذلك ، وضع سياسات وبرامج للمساعدة في تحقيق هذه الطموحات

من هي جاليات المهجر وأين هي؟

وفقًا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة فان هناك ما بين 1.2 و 1.7 مليون مواطن سوداني وأشخاص من أصول سودانية يعيشون حاليًا في الخارج. و توجهت هذه الجموع  بشكل رئيسي نحو البلدان الأفريقية المجاورة ومنطقة الخليج ، حيث تعتبر الأخيرة وجهة أساسية للعمالة المهاجرة. اذ تقع الدول المضيفة لأكثر المهاجرين السودانيين في منطقة الخليج. و بالنسبة الى شمال الكرة الارضية تشمل المواقع الرئيسية المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا. من المهم الاشارة الى  أن معظم البيانات لا ترصد  تقديرات للأجيال الثانية واللاحقة.

خريطة توضح اكثر عشرين دولة يقصدها المهاجرون السودانيون .مصدر البيانات: الأمم المتحدة ، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية 2017

بدأ ظهور جاليات سودانية منخرطة ومرتبطة ببلدها الام ومجتمعاتها الأصلية منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات ، حيث ساهمت من خلال التحويلات المالية والمهارات والمعرفة، و تحالفها مع الوطن في حشد الدعم وضمان رفع مكانة البلاد الدولية. على سبيل المثال ، قدرت التحويلات المالية إلى السودان بنحو 271 مليون دولار أمريكي في عام 2018 من قبل البنك الدولي. وفي تقرير صدر مؤخرا عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قدرت التحويلات (الرسمية وغير الرسمية) إلى السودان بنحو 2.9 مليار دولار في عامي 2017 و 2018. وهذا يوضح مقدار التحويلات التي لاترصدها البيانات الرسمية في كثير من الأحيان، حيث أن معظم التحويلات لا تجري من خلال النظام المصرفي التقليدي بسبب انعدام الثقة. كما ان السودان مدرج كدولة راعية للإرهاب من قبل الولايات المتحدة، ما يحد من استخدام الخدمات المصرفية.

لضمان استمرار التحويلات المالية والاجتماعية ومن اجل بلوغها حدها الاقصى، يجب وضع سياسات تعمل على تيسير وسائل مختلفة لحراك جاليات المهجر وتقوي تلك الروابط التي تجعل من الممكن التواصل مع السودان.

لماذا مشاركة جاليات المهجر وكيف؟

التغيرات التي يشهدها السودان مدهشة، مثل اتفاقية جوبا للسلام الموقعة مؤخرًا. لكن لا تزال الحكومة تواجه تحديات هائلة بما في ذلك استمرار تفاقم الأزمة الاقتصادية، ووباء كوفيد 19، وأسوأ فيضانات مرت على السودان منذ قرن. علاوة على ذلك ، فإن تحقيق طموحات الثورة قد اثر كثيرا على حياة الناس ومصادر رزقهم. يعد إشراك جاليات المهجر الآن أكثر أهمية بالنسبة للسودان للنجاة من الأزمات العديدة التي يواجهها حاليًا.

لطالما انخرط السودان مع جاليات المهجر من خلال الأمانة العامة لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج. في ظل القيادة الجديدة، فان هناك بعض التغييرات التي حدثت بالفعل، مثل عرض قانون الجنسية المزدوجة وحق التصويت للجاليات و الحماية القانونية للمواطنين بالخارج  – الذين تقطعت بهم السبل بسبب إغلاق الحدود بسبب فيروس كورونا كمثال. ومع ذلك ، فإن الحكومة السودانية الحالية تعمل دون  سياسة أو استراتيجية واضحة حول كيفية إشراك جاليات المهجر، على الرغم من اهتمامهم وإدراكهم لأهمية جاليات المهجر بينما تسعى للاستجابة لمختلف القضايا. ان غياب وجود رؤية متسقة واضحة وبين الاجهزة الحكومية المختلفة يمكن ان يقود إلى انعدام الثقة بينها وبين جاليات المهجر ويؤدي إلى خسائر مختلفة من خلال الفشل في التسخير الفعال للمنافع المالية والاجتماعية للجاليات الضخمة بالمهجر. ان لحكومة السودان ان تاخذ بزمام الامور لاغتنام هذه اللحظة الحاسمة بعزيمة جادة.

هناك فرص لتخفيف الضغوط عن الحكومة السودانية و مواطنيها ، لكنها ليست سهلة أو لا يمكن الوصول إليها دائمًا. ومع ذلك ، هناك فرصة صغيرة لإشراك جاليات المهجر قبل أن تتبدد تلك الفرصة. يجب أن ينتقل التركيز من الاستثمار المالي فقط إلى التحويلات الاجتماعية الأوسع. و بالطبع ، ليس كل جاليات المهجر أو مجتمعات المهاجرين مهيئة أو في وضع يسمح لها بتقديم المساعدة؛ بل ان  البعض يحتاج للمساعدة أيضا . أولئك الذين فقدوا وظائفهم ، أو هاجروا باسلوب غير تقليدي أو يواجهون تحديات أخرى. لذلك ، يجب على أي سياسة ان تاخذ في عين الاعتبار أولئك الموجودين على الجانب الآخر من الطيف والذين يحتاجون إلى الحماية.

كيف تشرك جاليات المهجر؟

الإجابة علي هذا السؤال يتطلب إجراء نقاش وجمع و ترتيب الأدلة حول الاحتياجات والموارد من من قبل الحكومة و جاليات المهجر. وبالرغم من ذلك ، يمكن أن يكون هناك الكثير من ما يمكن تعلمه من الآخرين بناءً على نوع المشاركات الحالية في مجالات أخرى.

التعاون الاقتصادي: الجاليات التي تتطلع الى استحداث  فرص التجارة والاستثمار والإرشاد للمساهمة في الأعمال التجارية ذات التأثير المستدام و التي ستكون حاضنة  التنمية في السودان ، وكذلك لدعم مدى القدرة على  التأهب والاستجابة للأزمات الإنسانية. و الأمثلة على ذلك تشمل مبادرة الصندوق الائتماني لجاليات المهجر الإثيوبية وصندوق الاستثمار النيبالي لجاليات المهجر.

التعاون الاجتماعي: يعتبر نقل المعرفة والمهارات كاستراتيجية تنموية أمرًا جوهريا  لجني ثمار مكاسب الهجرة ، بما في ذلك إشراك الجيل الثاني والأجيال اللاحقة. إنشاء منصات لنقل المعرفة و التي ستدعم التنمية البشرية في مؤسسات الابتكار و مؤسسات الإدارة العامة الأساسية. ويشمل ذلك إنشاء روابط بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية. أيضًا، الانخراط في الدبلوماسية الثقافية لزيادة الوعي حول الارث الثقافي الغني والمتنوع للبلاد والترويج للفنون المختلفة الفريدة في البلاد.

التعاون السياسي: يمكن لجاليات المهجر أن تزيد من مدى قدرة البلاد على الوصول الى العالم و تمنح  شعورا بالانتماء للعديد من السودانيين وسُلاَّنهم  في جميع أنحاء العالم ، والذين سيكونون حلفاء أساسيين في العلاقات الدبلوماسية المستقبلية. بالإضافة إلى ذلك ضمان وصول الخدمات والحماية لمن يحتاجها من السودانيين بالخارج.

دعوة للعمل والطريق إلى الأمام

للاستفادة من الموجة الحالية من حالة الحراك المدني بين السودانيين في المهجر، من الضروري ضمان أن تكون المشاركة ذات  تأثير ومستدامة. احتياجات السودان هائلة، ودعم جاليات المهجر خلال المرحلة الانتقالية أمر بالغ الأهمية ويشمل ذلك المال والمهارات والمعرفة وكحلفاء دبلوماسيين. فيما يلي بعض التوصيات لحكومة السودان

التعلم من الآخرين: مشاركة الجاليات المهاجرة ليس بالامرالحديث ؛ الحكومات في جميع أنحاء العالم تتواصل مع جالياتها المهاجرة. في إفريقيا ، أطلقت غانا ونيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا عدة برامج لإدماج جالياتها المهاجرة كشركاء في مشاريع التنمية. أنشأت عدة دول أفريقية (من بينها إثيوبيا ، وغانا ، ومالي ، ونيجيريا ، ورواندا ، والسنغال ، وتنزانيا ، وأوغندا) مؤسسات (على مستوى الوكالة أو المستوى الوزاري) للتواصل مع الجاليات المهاجرة. لقد تغير النقاش من النظر الى جاليات المهجر كخسارة، إلى النظر إليهم على أنهم مورد أساسي غير مستغل يوفر فرصًا من حيث التحويلات والتجارة والمشاريع الاستثمارية والمعرفة الجديدة.

جاليات المهجر كشركاء: يجب أن تكون مشاركة جاليات المهجر ذات اتجاهين مع شراكات مبنية على أسس الثقة والتواصل والاحترام والمعاملة بالمثل. سياسة لجاليات المهجريمكن ان  تعود بالمنفعة على السودان والسودانيين في الداخل والخارج على حد سواء،من خلال ضمان استراتيجيات مفيدة للطرفين. لا ينبغي أن يعتمد اشراك جاليات المهجر فقط على التحويلات المالية ، ولكن أيضًا على بناء مستقبل يمكن أن يكون مفيدًا للسودان و لجاليات المهجر.

المشاركة متعددة الأجيال: ضمان ألا تقتصر المشاركة على الجيل الأول من جاليات المهجر ولكن التأكد من أنها تاخذ في عين الاعتبار احتياجات وطموحات الأجيال الثانية والأجيال اللاحقة. وبالتالي ، فإن المنصات متعددة اللغات وفرص التطوع في أجزاء مختلفة من البلاد و ما الى ذلك هي امر مهم

حماية مجتمعات المهاجرين و جاليات المهجر الضعيفة: كان هذا أكثر وضوحًا خلال جائحة كوفيد 19 حيث اصبح أولئك الذين فقدوا مصدر رزقهم عالقين في بلدان مختلفة عندما اغلقت الحدود

تطوير سياسة جاليات المهجر: تطوير سياسة حكومية تسري بين الهيئات المختلفة بقيادة الأمانة العامة لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج بحيث تشمل اشراك جاليات المهجر وحمايتها و تنظر الى ما هو ابعد من الاطر التقليدية المالية و التنموية و  تركز على الانخراط في التحويلات الاجتماعية والثقافية لبناء الثقة والعلاقات و أيضًا ، يجب أن تأخذ المشاركة في عين الاعتبار استجابة جاليات المهجر للأزمات الإنسانية.

تعريفات

تُعرِّف المنظمة الدولية للهجرة جاليات المهجر بأنهم “مهاجرون أو سُلاَّن مهاجرين ، تشكلت هويتهم وشعورهم بالانتماء من خلال تجربة الهجرة وخلفياتهم”. (تقرير المنظمة الدولية للهجرة ، 2018: 305) ويعرف الاتحاد الأفريقي جاليات المهجر على أنهم “الأشخاص من أصل أفريقي الذين يعيشون خارج القارة و لديهم الرغبة في المساهمة في تنمية القارة وبناء الاتحاد الأفريقي ، بغض النظر عن جنسيتهم.”